عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
54
معارج التفكر ودقائق التدبر
ثمّ إنّه بمتابعة القراءة والتّدبّر مع الاستعانة بربّه ينوّر اللّه بصيرته ، فيفتح له أبوابا من الفهم ، تشرق له منها معارف ربّانيّة ، اشتمل عليها النّصّ القرآنيّ الموحى به . فاقرأ أيّها الإنسان ما نزل به وحي ربّك ، وتدبّره ، ثمّ اقرأ وتدبّر ، فإنّك إذا وجّهت همّتك لفهم ما اشتمل عليه كلام ربّك ، وصدقت عزيمتك ، أكرمك ربّك ، فأشرقت عليك أنوار المعارف . إذن : فتابع قراءتك وتدبّرك يكرمك اللّه بالمعرفة اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) . واجعل من وسائلك أيّها الإنسان القارئ لما نزل به الوحي من عند ربّك وسيلة القلم ، فدوّن به واردات المعرفة الّتي ترد عليك عند قراءتك وتدبّرك لكلام ربّك ، فواردات المعارف شرود ، إذا لم تدوّنها بالقلم نسيتها ، فضاعت ، وقد يصعب أن تعود مرّة أخرى ، فتخسر الوارد ، إذ لم تقيّده بالقلم ، فربّك الّذي خلق ، وأكرمك بوسائل المعرفة علّم بالقلم . إنّ وارد المعرفة غيث ، والقلم ميزاب هذا الغيث ، والقرطاس هو الوعاء الّذي تجمع به غيث ربّك من المعارف ، وبه يستقرّ العلم ، وينقّح ويصنّف . هكذا خلق اللّه الإنسان ، وهكذا جعل إحدى وسائل معرفته بعد أن خلقه جهازا خاليا من العلم قابلا له . إنّ ربّك أيّها الإنسان بوصف أنّه الأكرم من كلّ كريم ، يغيث بواردات المعارف ، وبسنّته في خلق الإنسان جعل القلم وسيلة سهلة متاحة لجمع هذه الواردات وتنقيحها وتصنيفها . وبهذه الوسيلة وبغيرها من وسائل اكتساب المعرفة علّم الإنسان ما لم يعلم .